بقلم : عائشة معتكف
"إنه الماء الذي لا لون له، لا طعم، ولا
رائحة، تخضر به الأرض حيث ما حل" عفوا هذا
التشبيه يعود لأحد المجانين الذين يدمنون
على التهام "المسمن"
والتنظير إلى طريق نهضة تأخذنا نحو تحقيق
الحلم. تشبيه في محله ذاك لمجموعة من
الحمقى، المتمردين على الأصباغ ، والرافضين للتلون، عقولهم التائهة أخذتهم عن ذلك
كله وأكثر ما تهواه هو التسكع بين أوراق المجلدات المنثورة، والمبعثرة على الرفوف
الخشبية، لو نطقت تلك الرفوف لصرخت من ثقل ما تحويه بطون المجلدات من أفكار
متناحرة ولتمنت العودة إلى أصلها، إلى شجرة تنبض بالحياة، فالحقيقة هي ذلك الأصل
أما الرف فهو مجرد تصنع خارج عن الإرادة المنعدمة لتلك الكائنات بيد أصحاب العقول
الذين سخرت لهم
أخذت بمكاني عند
بائعة المسمن ورائحته تتسلل إلى أنوف
المارة فتستميل البؤساء نحو هذا المقهى المتواضع، أما المجانين الذين كنت أنتظرهم
فليس " المسمن" وحده الذي يدلهم بل يستهويهم ذلك السمر الفكري الذي يحلق
بالأفكار في سماء الحلم وهي متضاربة أحيانا ومتوافقة أخرى.. لحظات تسمر وتأمل قبل
أن يتقاطروا على مقاعدهم بالسؤال عن : النهضة !
ما هذا السؤال يا
فاطمة الزهراء الذي أخدنا الجواب عنه إلى ألف سؤال؟ وأولهم من هو الإنسان؟
طال الحوار والشد
والجدب بين الأفكار إلى أن تدخلت أسماء تستفسر إجابة استعصت عليها لأحد أصدقائها
الملحدون. فقلت في نفسي: رائع جدا! هناك على الأقل من يسأل، فشخصيا لدي الكثير من
الأصدقاء اسمهم أسئلة وكل صديق هو سؤال رائع وكلما زاد عدد الأسئلة أشعر بالأنس
والإطمئنان في رحلتي الطويلة، وأكثر ما أشمئز منه هو تلك الأجوبة الجاهزة كلفائف
المسمن المحشوة بالبيض والجبن.
وبعد سؤال أسماء
تقاطرت الأسئلة من كل صوب تدور في فلك الدنيا ؟ الوجود؟ الفكر؟ التغيير؟ النهضة؟
والحلم الكبير صناعة الحضارة !
ونحن جالسون نحتسي كؤوس الشاي، ركبنا زورق
البحث في رحلة عبر الزمن بين الماضي و الحاضر، قبل أن يصوب أحدنا البوصلة ويهتف
قائلا، هيا إلى المستقبل ! أنسيتم أنه مهمتنا؟ نعم المستقبل سيكون الأفضل لابد
وذلك بعد رحلة في زورق البحث مجدافه الأسئلة.
أخدنا الحديث والنقاش وتشعب الأفكار التي
تنتقل بنا من موضوع إلى موضوع، ولولا أن النادل جاء ليجمع كؤوس الشاي وصحون المسمن
لما انتبهت للساعة على هاتفي الأبكم، فبائعة المسمن غادرت المكان منذ وقت طويل بعد
أن أتمت مهمتها والنادل يستعد لإسدال الستار على منصتها وأنا تأخرت عن موعد دخولي
للبيت، استجمعت قواي واستأذنت المجانين للرحيل قبل أن تخلو الشوارع من العقلاء...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق